وجعلناهم أحاديث

 12)
لم تبخل مضيفتهم بشيء. تراصت الأطباق على مائدة العشاء في تنسيق جميل، فاتحدت متعتا البصر والشم في عناق أسال لعابه. كان يعلم الهدف الاجتماعي وراء دعوته لمثل هذه الوليمة الشهية، ولم يمانع في مجاراتهم ولعب دوره المتوقع. ألقت مضيفته وزوجها عدة تلميحات في البداية لتهيئة الجو، ففهم أنهما يقومان بدور الخاطبة، وأنهم بانتظار حضور طرف رابع كي يكتمل جمعهم.
في نظرهم لطالما بدا فريد انطوائيا خجولا يعاني ما ظنوه رهابا اجتماعيا يعيقه عن البحث عن زوجة، فيبدو أنهما تطوعا للمساهمة في عملية البحث. لم يجهد نفسه في تصحيح فكرتهم عنه. علم النفس موضوع معقد ولا يصلح لجلسات العشاء الودية. ما به يتجاوز الانطوائية، ومصطلح الاسكتزويد لا زال غريبا على أسماع الناس هنا، حتى المثقفين. سينتظر ويرى. ومن يدري؟ قد يأتيك السرور من حيث لا تتوقع.
أخذت الدجاجة محل الصدارة، بلونها البني المائل للاحمرار، ولمعان الزبد على سطحها، لكن شهوات فريد كانت بسيطة. تسلط انتباهه على وعاء سلطة البطاطس هائل الحجم. في النصف دقيقة الفاصلة بين صوت جرس الباب ودخول المرأة حجرة الطعام كان قد التهم ثلاث معالق وافرة، ولم يخب ظنه. يظن الناس أن طبق البطاطس المهروسة سهل العمل، لكنها غالبا ما تنتهي إما ذائبة اكثر من اللازم أو جافة أكثر من اللازم. هذه المرة نجحت مضيفتهم بجدارة. الإضافات أيضا كانت ممتازة. بعد دقائق من استماعه لحديث الزائرة واسى نفسه أنه على الأقل سيخرج من الليلة بمعدة راضية.
التوافق أو عدمه يعرف من اللحظات الأولى. فرمونات الشخصين إما تتنافر أو تأتلف. فيما بعد نبرر لأنفسنا انطباعاتنا بتبريرات عقلانية (أنفه طويل. صوتها مزعج. وظيفته بلا مستقبل. ضحكتها مصطنعة)، لكن كل شيء يتقرر من اللحظة الأولى.
"فريد صديق عزيز. مثقف ومحب للهدوء. صفات متوقعة في أمين مكتبة"
وصفه بالصديق كان مبالغة من الزوج. لم يكن لفريد اصدقاء بالمعنى المتعارف عليه للكلمة. معارف نعم وزملاء عمل، لكنه لا يحتمل قيود الصداقة. "حبه للهدوء" هو وصف مخفف جدا لميله العميق للانعزال عن البشر. ربما لهذا تناسبه وظيفته كمسؤول عن مكتبة داخل سجن.
لكن حتى السجون لا ترقى لدرجة الانعزال التي يصبو إليها. أي نعم الفكرة الرئيسية وراء حبس المحكوم عليهم هي عزلهم عن المجتمع الخارجي لحمايته، لكن داخل السجن مجتمع متكامل، لا عزلة. علاقات بشرية متداخلة، صداقات وخصومة، تعاون في إتمام المهام اليومية، مباريات رياضية جماعية. نظام هرمي. حتى أشرس وأعتى المجرمين ينهارون نفسيا وعقليا إن عاقبتهم بالحبس الانفرادي لمدة 40 يوما. أما فريد فانعزالي حقيقي. نوع نادر بين البشر. في صغره قرأ قصة في سلسلة "صرخة الرعب" عن فتاة وجدت العالم كله خاليا من البشر فجأة، فسعت لإصلاح هذا الوضع المخيف. لكنه يذكر تماما تعجبه من رد فعلها. دنيا بلا بشر؟ وضع مثالي في نظره، لا قصة رعب! يومها أدرك أنه كائن مختلف.
غمس شريحة دجاج في طبق فلفل شيلي حار والتهمها. دمعت عينه فابتسم راضيا ورفع إبهامه للزوج مادحا طبخ الزوجة في صمت، فارتسمت على وجه الرجل أوسع ابتسامة فخر رآها فريد في حياته. عانى طوال حياته من حواس مكتومة. لا يحس بالأطعمة والروائح إلا لو كانت قوية للغاية، ولهذا يفضل الملح الزائد والشطة الحارقة، تماما كما يحب السكر الزائد والأطعمة المبالغ في حلاوتها.
تعلم بالتجربة أن الآخرين يحبون تلقي المدح. صفة بشرية بديهية وشائعة، لكن غرابة تركيبه النفسي حجبت عنه هذه المعلومة لفترة طويلة. الاسكتزويد لا يتأثرون بالمدح أو الذم. وسيلة دفاع نفسي يستخدمها عقلهم الباطن لحماية نواتهم النفسية الحساسة. غلاف خارجي صلب، كصدفة السلحفاة، يمنع آراء الآخرين من التأثير فيه. لو صدق كلماتهم المادحة فهو بالضرورة يترك نفسه عرضة لألم انتقاداتهم الجارحة. يبدو أنه خلال الطفولة المبكرة قرر عقله أن الانغلاق على النفس أفضل.
كالمتوقع، انتقل حوار المائدة للتعليق على الحادثة التي لم تمل الجرائد وشبكات التواصل الاجتماعي من الكلام عنها بعد. لم تشغل الزوجة نفسها كثيرا بموضوع ضرب البرق لموقع التصوير بقدر ما شعرت بالحزن لخبر اعتزال الممثل. لم تنبس الضيفة ببنت شفه، وتابعت الأكل في صمت. على الأرجح لم ترغب في خوض غمار المناقشة قبل أن تتأكد من المعسكر الذي ينتمي إليه هذا العريس المحتمل. لكن فريد أيضا لم يدلي بدلوه في الأمر فمات النقاش.
قال الزوج: "لكن بشكل عام، وبعيدا عن هذه الحادثة بالتحديد، ما رأيكم في الأعمال الفنية المثيرة للجدل؟ هل من الأفضل منعها أم السماح لها بالتنفس؟"
ابتلع فريد ملعقة بطاطس أخرى ممزوجة بالزبد والطماطم والفلفل وقال: "تتذكر الرواية الأمريكية القديمة التي قرأها جيلنا في المدرسة؟ فهرنهايت 451؟ تخيل المؤلف أن الكتب ممنوعة في المستقبل. شرطة المطافئ وظيفتها حرق أي بيت توجد فيه مكتبة! الجمهور مهووس بمسلسلات تافهة. الشاشات في المنازل بعرض الحائط. التليفزيون تفاعلي. لكن كيف ظهرت هذه الدستوبيا للوجود؟ حكومة فاشية قررت نشر الجهل؟ لا أبدا. حرق الكتب بدأ كمطلب شعبي!"
"كيف؟"
"الحساسية الزائدة. الفئات. الزنوج اعترضوا على أي قصة تصورهم بصورة سيئة. البيض نفس الشيء. الممرضات. من يحبون القطط. من يفضلون الكلاب. المكسيكيون. الهنود الحمر. كل يوم مظاهرات من فئة معترضة على شيء. في النهاية أصبح من المستحيل أن تكتب عن أي موضوع دون إثارة غضب جماعة من الجماعات. وبالتالي كره الناس الكتب وقرروا أنها مصدر للمشاكل ويجب حرقها لحفظ السلام المجتمعي. فاستجابت الحكومة"
"تقصد أن الرقابة تقتل الفن؟"
"أظن أنه علينا كمجتمع أن نتفق على قائمة قصيرة بالموضوعات المقدسة التي لا تمس.. عشر تابوهات مثلا يتعهد الجميع ألا ينتقدوها.. ثم نتيح حرية مناقشة آلاف الموضوعات الأخرى وأن ينتقدها الفنانون كما يحبون"
"طبخ زوجتي أحد المقدسات العشرة التي لا يجوز انتقادها طبعا"
شاركهم فريد الضحك، سعيدا بمرور النقاش على خير.




(C) 2026 M Salama

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

100 Arabic words in Frank Herbert's Dune

تفسير (أدنى الأرض) ليس البحر الميت

Darth Vader's Jewish Origin - The Golem of Star Wars