التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فن الترجمة عن الإنجليزية 1

قيل قديما: لا تعطني سمكة..بل علمني الصيد.
وفي رأيي أنه من أفضل الخبرات والمهن التي قد تنفع الشاب العربي حاليا حرفة الترجمة عن الإنجليزية.
أطنان من الكتب تنتظر من ينقلها للغتنا.. جبال من الأفكار محجوبة عن أذهان شعوبنا لمجرد أنه لا يوجد فينا من تصدى لترجمتها.
لكني بالطبع لا أنوي أن أحوّل هذه التدوينة لدرس أو محاضرة تعلّمك فن الترجمة، فلذلك مصادره الأخرى المعروفة وطرقه التقليدية المجرَّبة.. بل ما أنويه هو تشويقك للمجال..
إثارة فضولك للمسألة بأسلوب جديد لن تجده مستخدما في الدروس التعليمية التقليدية..
وإن نجحتُ في إيقاد الشعلة داخلك وتحبيبك في هذا المجال بحيث تتولد داخلك الرغبة في البحث عن المزيد، فساعتها سأعرف أن هدفي من هذه الكلمات قد تحقق!



ما هي الترجمة؟
المترجم ليس مجرد ناقل للمعنى، بل مفسر لمقصود المؤلف الأصلي. انظر مثلا للصحابي ابن عباس والذي كان يقال له (ترجمان القرآن) لبراعته في تفسيره.
فإن كنت تريد ترجمة نص إنجليزي فلا مفر من فهمه واستيعاب معانيه قبل البدء في أي من خطوات الترجمة الفعلية.
قد تبدو لك هذه النصيحة بديهية.. لكن واقع الحال يخبرنا أن (الترجمة قبل قراءة النص بالكامل وفهمه) هي من الأخطاء الشائعة جدا حاليا.. خصوصا والعصر يغلب عليه الاستعجال ويفتقد شبابه روح التأني!!

والأكثر شيوعا هو الإسراع في فتح القواميس بعد الإطلاع السريع على النص مرة واحدة فقط..
وتكون نتيجة هذا أن الترجمة تخرج مهلهلة، غير متسقة، وفاقدة لذلك الخط الذي يربط بداياتها بنهايتها.

ولهذا يمكنني أن ألخص لك الخطوات الأساسية للتعامل مع النص المراد ترجمته للعربية:
1- قراءة وفهم الأصل
2- إعادة القراءة مع تظليل Highlighting الكلمات والجمل التي تستشعر أنها ستتطلب منك بحثا أو قدرا أعلى من الاهتمام.. ويزيد هذا الأمر في النصوص المُشْكِلة (أي التي تُشَكِّل ترجمتها لأول وهلة مشكلة)
3- تقسيم النص لفقرات إن لم يكن مقسما بالفعل؛ ليسهل عليك "هضمه" وليخف شعورك بضخامة المهمة التي أمامك.
4- ترجمة فقرة ثم مراجعتها مرة أولى
(أغلب استهلاك وقت المترجم يكون في المراجعة والتدقيق وإحكام الترجمة وتشذيبها، وتحسين "وقعها"، ووضع علامات الترقيم المناسبة)
5- التعامل بنفس الأسلوب مع الفقرة التالية.. وهكذا
6- القيام بمراجعة نهائية عامة

ولا تختلف هذه الفقرات الأساسية كثيرا حسب نوع النص.. سواء كان سهلا أو صعبا، شكسبير أو فيزياء الكم أو حوارا بين بطوط وميكي!


وحدة الترجمة:
يجب أن تكون الكلمة الواحدة أو المصطلح الواحد – ضمن مشروع العمل – ذات ترجمة واحدة ثابتة.
فلا يصح أن تترجم (The X-Files) بـ"الملفات السرية" ، ثم بعد عدة فقرات (عندما يعيد المؤلف استخدامها) نجدك ترجمتها بـ"الملفات الغامضة" أو "ملفات إكس"!!
فهذا من علامات شرود ذهن المترجم وعدم تمكنه من أدواته، ويخلق جوا من الحيرة وسوء الفهم عند القارئ.

ذوق المترجم:
مسألة الذوق يصعب توصيفها وتحديدها بشكل واضح، لكن المحاولة لن تضر.
إن شعرتَ أن المؤلف الأصلي يتعامل – مثلا – مع اسم (The X-files) على أنه معروف ولا يحتاج توضيحا للقارئ الغربي، فلا تفترض نفس الشيء عند القارئ العربي، لاختلاف البيئة والثقافة والاهتمامات.
فحاول إضافة ما تظن أن توضيح السياق يقتضيه، إما في الهامش أو ضمن النص نفسه، كجملة اعتراضية أو بين هلالين.
فقل مثلا: «مسلسل "الملفات السرية"» (فتكون أضفت كلمة مسلسل للتوضيح)
أو قل: «المسلسل المختص بالغوامض، والمسمى: الملفات السرية» (فتكون أسهبت في توضيح المقصود)
ولا تبخل على القارئ العربي بأن تضيف الاسم الإنجليزي ضمن الترجمة، لعله يحتاج للبحث عنه بنفسه لمزيد من المعلومات عن الموضوع. لكن لا تسرف أيضا في هذه المسألة بحيث تكون صفحة ترجمتك تحوي من الكلمات الإنجليزية ما يقترب من الكلمات العربية!

ترجمة العناوين:
هي فن في حد ذاتها!.. خصوصا عندما يكون المطلوب هو جذب القارئ لشراء الكتاب المترجم.
فالترجمة الحرفية لا محل لها هنا، لأنك تخاطب قارئا مختلفا عن القارئ الذي كان مستهدفا بالنص الأصلي.
مثال عملي:
صدر كتاب في أمريكا عنوانه RFK Must Die وموضوعه حادثة اغتيال السيناتور روبرت كينيدي أثناء حملته الرئاسية. وكان المتهم هو الفلسطيني سرحان بشارة سرحان.
العنوان مأخوذ بالحرف من مذكرات شخصية كان يكتبها سرحان في حالة تشبه التنويم المغناطيسي.. ويعيد تكرارها لعشرات المرات في الصفحة بخطه..
RFK Must Die.. RFK Must Die وهكذا..
لكن عند صدور الترجمة العربية للكتاب كان العنوان الذي اختارته دار النشر هو (روبرت كينيدي يجب أن يموت)
والسبب هو أن القارئ الأمريكي معتاد على الحروف الأولى للاسم.. فبمجرد أن يقرأ RFK سيفهم من هو المقصود. أما نحن فلن يكون للكلمة نفس الوقع في أذهاننا إن رأيناها مكتوبة هكذا (ر ف ك يجب أن يموت)
فالترجمة الحرفية – كما ترى – كانت ستؤدي للغموض والتعمية.. في حين أن هدف المترجم الناجح هو التفسير والتوضيح.

وهناك مثال عكسي شهير:
فعندما تمت ترجمة رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) للإنجليزية، اختار المترجم أن يغير العنوان إلى (أبناء الجبلاوي).. ربما لصعوبة ترجمة مفهوم "الحارة الشعبية المصرية" للإنجليزية، وربما لأن الاسم الغريب على أسماع الإنجليز (أي: الجبلاوي) سيجتذب القارئ لمعرفة معناه، فيشتري الكتاب.
فكلها عمليات ذوقية يصعب قياسها بدقة، لكنها هامة بالتأكيد.
=====


(عالم الترجمة واسع ومترامي الأطراف.. ولهذا لن أطيل عليك هنا أكثر من هذا، بل سنبدأ معا سلسلة تدوينات بعنوان: فن الترجمة عن الإنجليزية ، على أن تنتهي كل تدوينة ببضعة أسئلة خفيفة لشحذ الذهن وإثارة التفكير، تمهيدا لما سيأتي بعدها.. فما رأيك؟)


أسئلة:
كيف تترجم التالي للقارئ العربي، ولماذا؟
Devil's Advocate
DeJa Vu
XIV
Love Child




هذه التدوينة مشاركة في مسابقة التدوين الثانية، التي عرضها المدوّن: عبد الله المهيري
http://abdulla79.blogspot.com/2014/01/blog-post_9.html

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Darth Vader's Jewish Origin - The Golem of Star Wars

The design and concept of Darth Vader is partially based on Jewish myths and traditions. Many of Star Wars fans are already aware of the 3 lines of Hebrew letters that appear on the character's "Chest Plate", but here I'll provide more details on the "Jewish origin" of the infamous Dark Lord!
Here you can see a close-up of the lines on Vader's breastplate from Return of the Jedi. The first & third lines are problematic and not easy to understand.



אב מצש
גלמציצ
עד שלכה

(Hebrew is written from right to left)
The first line has 5 letters in two words.. apparently meaningless unless, with a bit of stretching it, we read it as (Father - Saturday) (AB - M Ts Sh)

The third may be read as "till his cast down" (AD - Sh L K H)
{שלכ sh-l-k = ‘cast off, throw down, cause to go’}

The second line is the interesting one.. Written upside down.. It's more like a "label" than a part of a sentence, and the letters are: (G L M Ts I Ts).
2 words, Golem &…

بعض أخطاء كتاب د/ بهاء الأمير: شفرة سورة الإسراء

بعد مطالعة سريعة للنسخة الإلكترونية من كتاب د بهاء الأمير تجمعت لدي عدة ملاحظات نقدية على الكتاب، سأوردها هنا بشكل مختصر للمهتمين.
المؤلف من الباحثين الجادين الرواد في مجال كشف التأثير الباطني على المعتقدات المنحرفة وعلى الثقافة الشعبية العامة بل والأكاديمية. فنقد بعض ما بالكتاب ليس تقليلا من جهود المؤلف.

- على الرغم من اهتمام المؤلف الواضح بالقبالا اليهودية إلا أنه كرر حوالي عشر مرات كلمة (عين صوف)، النور العلوي اللانهائي حسب زعم القبالا. أما الكلمة الصحيحة فهي (اين سوف = لا نهاية)، ولا صلة لها بالعيون ولا الأصواف!

- الاعتماد كثيرا على (مانلي بي هول) كمصدر للحقائق، مع أنه مؤلف غير ثقة على أفضل تقدير، ودجال يتعمد الكذب والتضليل على التقدير الأرجح.

- الخلط بين سرجون الأول والثاني في قصة الطفل والتابوت. فشبه القصة بقصة موسى ليس لأنها خاصة بسرجون الثاني الذي جاء بعد موسى، بل لأن القصة تم تأليفها بعد فترة موسى ثم نسبتها بأثر رجعي لسرجون الأول الذي كان قبل فترة موسى.

- الظن أن القبالاه سبقت فيثاغورث والإغريق!  مع أن القبالا اختراع أندلسي وأوروبي بعد الميلاد بمئات السنين، بالإضافة إلى أن ن…

الرقم 42

الرقم 42 هناك بعض الأرقام لها أهمية خاصة عند بعض الحضارات ومن هذه الأرقام ما سنتحدث عنه هنا وهو الرقم 42  # في الأدب الغربي توجد سلسلة شهيرة جدا من الروايات باسم (دليل المسافر عبر المجرة) The Hitchhiker's Guide to the Galaxy للمؤلف Douglas Adams  وفيها يقابل البطل حاسبا عملاقا يخبره أن الإجابة للسؤال: "ما هي الحياة والكون وكل شيء" هي 42 !! ومن يومها انتشرت هذه الصلة بين الرقم والسؤال. لكن هل كان دوجلاس آدمز هو أول من اخترع لهذا الرقم أهمية أم أنه كان يعتمد على تراث سابق ؟ الحقيقة هي أن الرقم له أهمية كبيرة عند اليهود, فعنده أن الرب اسمه مكون من 42 حرفا عبريا وهو اسم مقدس لا يحفظ إلا مع فئة خاصة من اليهود الأنقياء. وفي القبالا (وهي الصوفية اليهودية المرتبطة بالسحر والأرقام) يقولون أن الرب خلق الكون بهذا الاسم المكون من الـ 42 حرفا ولهم فيه تخريجات معقدة وخرافات نتجنب الاسهاب فيها. أما عند النصارى ففي إنجيل متى هناك 42 جيلا لنسب المسيح , وفي سفر الرؤيا مكتوب أن الوحش - وهو تصورهم للمسيح الدجال كما يظن البعض - سيحكم الأرض فترة 42 شهرا. أما في الأساطير الفرعونية …