06 أكتوبر 2016

المراقب

المراقب
قصة قصيرة
تأليف: سلامة المصري
=====


عزيزي حسن..
مع أنك لا تعرفني إلا أني أعرفك، وأرجو ألا أكون جريئا أكثر من اللازم إن وصفتك بأنك "صديق"، حتى إن كانت صداقة من طرف واحد.
لا تتوقع في رسالتي هذه أي معلومات شخصية، ولا حتى اسمي الحقيقي، فوسائل التواصل الإلكترونية هذه لا أمان فيها، فلا يكاد يعرف المرء في أي يد ستقع ولا على أي عين ستمر.. ولعلك لاحظت أن رسالتي تصلك من e-mail غير مألوف، حروفه عشوائية.
هي خدمة يعرفها محبو الأمان والخصوصية، تعطيهم عناوين مؤقتة ومشفرة، تنتهي صلاحيتها فورا بعد الإرسال. قد أعطيك رابطها إن أردت، لكني أعرف عدم اهتمامك بتأمين حساباتك ومراسلاتك ووسائل اتصالك، فلا أظنك سترغب فيها.
أحسدك فعلا على تلك الثقة بالآخرين، على عكس مهاويس الخصوصية ودائمي الارتياب من أمثالي، لكن لو تعلم ما أعلم عما يفعله مخترقو الحسابات ومدمنو التجسس على الآخرين لأصابك نفس ارتيابي.
العالم مليء بالمنحرفين يا صديقي، فلو فعلنا جميعا مثلك واخترنا نفس كلمة المرور لكل حساباتنا لأصبحنا لقمة سائغة لهؤلاء المفترسين.
هل تعلم أن لهم منتديات خاصة، لا تظهر في نتائج محركات البحث أبدا، يتبادلون فيها مهارات وأخبار التجسس، بلا مقابل، لا لشيء إلا لإشباع شهوة المراقبة في نفوسهم والتبجح بآخر "نجاحاتهم" واختراقاتهم؟
كنت أقرأ لأحدهم قبل أيام وهو يتفاخر بين زملائه بعملية Doxxing ناجحة أتمها بعد يومي عمل متواصلين، جمع فيها كل شيء كتبه أحد الأشخاص على الإنترنت، عاما كان أو خاصا، باسمه أو باسم مستعار. كل موقع اشترك فيه على مدار العشر سنوات السابقة.. كل صورة عائلية.. عنوان سكنه ووظيفته.. كل تعليق كتبه على خبر في جريدة.. كل رسالة شخصية مسحها في الماضي وظن أنها اختفت من الوجود ويستحيل استرجاعها. ثم نشر كل هذا على الإنترنت ليراه من يراه ويحفظه من يحفظه ويستخدمه من يريد استخدامه!
والسبب؟.. لمجرد خلاف بسيط في الرأي بينه وبين هذا المخترق حدث الشهر الماضي خلال حوار عابر بينهما ضمن تعليقات اليوتيوب.
تصور شعور الضحية المسكين عندما يرى حياته مشاعا مباحا للجميع، دون أن يعرف السبب ولا حتى اسم من فعل به هذا.
تصور لو أنك وجدت، على سبيل المثال، صور رحلتك الصيفية، مع زوجتك شيماء، متاحة هكذا على الإنترنت، مع أنك لم تنشرها، ولم ترها لمخلوق سوى أهل بيتك؟
أصحاب النفوس المريضة، كهذا الشخص، يختبئون خلف لوحة المفاتيح والشاشات، في الظلام، يبتسمون وهم يطالعون أسرار الناس، ضحاياهم الأبرياء، ويظنون أنفسهم عباقرة تقنيين لمجرد أنهم كسروا حماية بريد أو سرقوا صورة شخصية.
لكن لو يعلمون قدرات الاختراق الحقيقية لما فرحوا بما فعلوا، ولأدركوا أنه عبث أطفال، هواة، مقارنة بما يفعله المحترفون.
أطمئنك يا صديقي أنه حتى هؤلاء المراقبين تتم مراقبتهم! فإن كانوا ينالون متعتهم بمراقبة البسطاء فإن في هذا العالم من ينال متعته بمراقبتهم هم، ويعلم ما يجمعوه من معلومات فور جمعهم له. ففي غابة الإنترنت من يفترس المفترسين ويخترق المخترقين.
حيلهم البسيطة هي نقطة في بحر، وأدواتهم البدائية محل سخرية في أوساط "النخبة".. ملوك الغابة.. المخترقين الحقيقيين.
أما هم فأقصى ما يفعلوه هو أن يصطادوا الأبرياء فيخدعوهم برسائل مزيفة، تقدم نفسها على أنها من جوجل أو أبل، تطلب كلمات مرور المستخدم "للتأكيد" كما يقولون. والغالبية للأسف تقع في الفخ، وتقدم البيانات عن طيب خاطر ودون أدنى ارتياب أو شك.
أو يرسلون للضحية رابطا مزيفا، في رسالة خاصة، مع صورة فتاة جميلة أو خبر فوزك في اليانصيب، أو - أحيانا - وعد بهدية مجانية، كالذي أرسل إليك في السابق. وفور الضغط عليه ينتقل لجهازه برنامج التجسس الذي يرسل للمراقب كل شيء يفعله.
أما النخبة فلهم وسائل أعقد وأهداف أكبر من تلك الوسائل والأهداف الصبيانية.
يمكنهم مثلا تحويل جوالك المحمول إلى لاقط صوت، يسمع كل ما يدور حوله ويسجله، حتى إذا عدت لمنزلك ووصلته بشبكة الـ Wi-Fi قام تلقائيا بنقل التسجيل لأحد الحسابات المؤقتة للمراقب. فيستمع لما دار في يومك، ويشاركك كل لحظة، كصديق عزيز لا تعلم حتى بوجوده.
إن خطر هؤلاء يفوق الوصف كما ترى، فيمكنهم تشغيل كاميرا اللاب توب، عن بعد، فتلتقط لك صورة كل بضع دقائق، دون علمك، بل ودون أن يضاء مؤشر الكاميرا أصلا، ثم ترسل هذه الصور للمراقب مع نهاية كل يوم، فيطالع صفحة وجهك، ويراك وأنت تأكل أو تشرب أو تكتب أو تلعب!
وإن كنت تريد نصيحتي، فإن نظام التشغيل الذي تستخدمه مليء بالثغرات، فهو "نوافذ" فعلية مفتوحة دائما، يتسلل منها الغرباء بأبسط الأساليب، فاهجره لنظام أكثر أمانا، كاللينكس. فهو - والحق يقال - حائط منيع أمام غالبية المراقبين العاديين، وإن كان بالطبع لا يسبب سوى إزعاج عابر للنخبة المحترفين.
عذرا إن كنت أطلت عليك في أمور تقنية لا تهمك كثيرا، لكني أكتب إليك كناصح أمين، لأخبرك بأمر حساس ترددت في إخبارك به، لكن حقوق الصداقة تحتم كشفه.
خلال الأسابيع القليلة الماضية لاحظت أن زوجتك تبث لصديقاتها ضيقها، في مكالماتها التليفونية ورسائل الفيسبوك الخاصة. ضيقها، كما تقول، سببه قضاؤك ساعات طويلة كل يوم أمام شاشة الكمبيوتر، بعيدا عنها. وفي الحقيقة معها بعض الحق. فأين جلسات الكلام الليلية الطويلة التي كنتم تتشاركون فيها هموم اليوم قديما؟.. أين ساعات الفضفضة التي كانت عادة دائمة لكم أول شهور الزواج؟
كصديق يريد مصلحتك وسعادتك أرجو أن تنتبه لهذا. فالمشاكل الزوجية تبدأ من مثل هذه الأمور.
فبدلا من أن تشرب كوب الشاي المعتاد بعد العشاء أمام الشاشة، لم لا تشربه مع الزوجة، لتسمع منها وتتكلم معها وتطيب خاطرها؟
أرجو مرة أخرى ألا أكون قد أثقلت عليك في أولى رسائلي، وأتمنى لك ولأهلك كل سعادة وهناء.

صديقك
=====




https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=195675614197083&id=100012639379332

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Featured

إخوان وسيساوية ودواعش.. داء التبعية

الإخوان متعطشون لأي "كلمة حلوة" من أي شخصية مشهورة.. وفورا تبدأ تعليقات الشكر والمدح فيه، ووصفه بأنه بطل ورجل في زمن قل فيه الرج...