09 أبريل 2014

الماتريكس والباطنية

«مقدمة فصل (الماتريكس) من كتابي: أساطير الأولين والديانات الباطنية»


لو كانت أهمية الأمور تقاس بدرجة تأثيرها، فبالتأكيد بداية ملحمة أفلام الماتريكس تعتبر من أهم أحداث سنة 1999 !!
نجح صانعو ثلاثية الماتريكس في خلق أسطورة جديدة ملائمة لذوق إنسان القرن الحادي والعشرين.. قاموا بإيصال نفس الرسالة الباطنية القديمة لكن في شكل مبتكر، براق، وفي براعة لا يمكن إنكارها.

موهبة اختراع الأساطير والحكايات الرمزية كانت مقصورة قديما على طبقة الكهنة، أما اليوم فالسينما تقوم بهذا الدور البديل!
في معابد مصر القديمة كان يقع على عاتق الكهنة تأليف قصص إيزيس وأوزيريس ورع وتحوت، ثم حشوها بالمعاني الدينية الباطنية المراد تمريرها إلى العوام بصورة تناسب عقولهم وتتقبلها أذواقهم..
وفي قبائل أفريقيا الوثنية والهنود الحمر كانت تقع هذه الوظيفة على عاتق الساحر أو العرّاف الذي يقص القصص الأسطورية على أفراد القبيلة وهم مجتمعون حول نار المخيم..
ومرت القرون وتغيرت ظروف البشر، لكن شغفهم بسماع الأسطورة لم يختفِ.. إذ نجد الأمريكان مثلا في السبعينيات من القرن العشرين منبهرين بتلك الملحمة الأسطورية التي صاغها چورچ لوكاس (حرب النجوم Star Wars) ، مع أن الحبكة قائمة بالكامل على نفس قواعد قصص "رحلة البطل" التي ترويها الأساطير الإغريقية القديمة!
(انظر مثلا دراسة چوزيف كامبل الشهيرة عن "البطل ذي الألف وجه"، وكيف أن كل الأساطير الناجحة - قديما وحديثا - تسير على نمط واحد محدد متشابه)
=====

قصة الماتريكس، ورحلة البطل «نيو Neo» يبدو أنها لمست وترا حساسا عند الكثيرين، ولهذا صدرت عدة كتب تناقش جوانب مختلفة من الفيلم، وتم عقد لقاءات وتسجيل محاضرات مع فلاسفة ومفكرين يعرضون وجهة نظرهم في القصة ومعانيها.
بل أن مواقع الإنترنت المخصصة لتحليل الثلاثية تضخم عددها بصورة غير مسبوقة في التاريخ.
حتى أن بعض الباحثين الكاثوليك كتبوا عن الفيلم و"أثره الضار" في إحياء الأفكار الغنوصية القديمة وتقديمها للجيل الجديد!
أما مراكز الدراسات الغنوصية فرحبت بالفيلم بالطبع وأثنت عليه.
وحركات المعارضة السياسية في أمريكا اهتمت أيضا بالفيلم ورأته كرمز لعملية الخداع وغسيل الذهن التي يقوم بها الإعلام الحكومي ضد طبقات الشعب!

لاحظ أن كل هذا التفاعل وكل هذه النقاشات والكتابات تعلق على فيلم يقوم - في الظاهر - على حركات الكونج-فو و"الأكشن" المفتعل المبالغ فيه!!
لكن الحقيقة التي يعلمها أغلب من شاهدوا الماتريكس هي أن القصة الظاهرية لها باطن عميق للغاية وفلسفي ومدروس بدقة.. وهذا "الباطن" هو ما سنتحدث عنه في هذا الفصل بالتفصيل، لأسباب ستتضح من السياق.
=====

الماتريكس Matrix (وجمعها matrices) كلمة تحمل عدة معانٍ مختلفة في نفس الوقت.. فأصل الكلمة من اللغة اللاتينية، وترتبط بكلمة (أم Mother) و (مادة Matter)
(انظر http://en.wiktionary.org/wiki/matrix)

وفي علوم الرياضيات والحاسبات تعني المصفوفة العددية
وفي علم الأحياء تعني رحم الأم، وأيضا المادة التي تكون بين الخلايا.
وداخل الخلية الحيوانية يوجد عضيّ (تصغير كلمة عضو) هام وشهير اسمه الميتوكوندريا، مهمته توليد الطاقة للخلية.. والجزء الموجود داخل الميتوكوندريا يسمى - في علم التشريح والبيولوچيا - الـ ماتريكس.
وكل هذه المعاني تم دمجها داخل قصة الفيلم!!.. مما يعطيك لمحة عن مقدار الجهد المبذول في تأليف القصة وتنسيقها.
=====

القصة باختصار مخل هي كالآتي:
في المستقبل، يعيش البشر في عالم وهمي اصطناعي تحت سطوة آلات لها القدرة على التفكير. والأفلام الثلاثة هي رحلة البطل المسمى Neo لتحرير البشرية من هذا العالم الافتراضي المزيف، ومحاولة الانتصار على الآلات.

أضاف المؤلفان (لاري وأندي واتشوسكي) إلى هذا الخيال العلمي عدة أشياء أدت إلى اختلاف الفيلم وتميزه:
- حركات قتالية أنيقة مأخوذة من أفلام هونج-كونج القديمة
- مؤثرات جرافيك غير مسبوقة، تم اختراعها خصيصا للماتريكس على يد فريق من الخبراء المحترفين
- عدم قصر القصة على الفيلم.. بل ربطها بوسائط أخرى كالأفلام المتحركة والقصص المصورة وألعاب الڤيديو، بحيث صار متحتما على من يريد الإلمام بكل جوانب الملحمة ألا يقتصر على الفيلم فقط

ولو كانت القصة في أساسها ضعيفة لما احتملت توسيعها لهذه الدرجة.. لكن العالم الذي ابتكره الأخوان واتشوسكي كان غنيا وثريا بالتفاصيل لدرجة مدهشة.
=====

بالنسبة للأخين كان الماتريكس هو مشروع عمرهما كله، لأن التخطيط لكل الأحداث وكيفية تحويل القصة من فكرة إلى عمل فني فعلي، استلزم سنوات طويلة من الدراسة والكتابة.. لكن استوديوهات هوليوود كانت متخوفة - بطبيعة الحال - من إعطاء ميزانية ضخمة لمخرجين شابين لم يسبق لها العمل بالسينما.. لهذا تم عرض مشروع فيلم آخر عليهما لتنفيذه كتجربة واختبار، بميزانية صغيرة.. وكان هذا الفيلم المنسي اسمه Bound ويحكي عن علاقة حب بين امرأتين.
وبعد صدور الفيلم وتأكد شركات الانتاج من جدية المخرجين، تم البدء في العمل على الماتريكس.
من الغريب وقتها أن الأخين رفضا الظهور العلني للدعاية للفيلم، واشترطا هذا في العقد مع شركة الإنتاج.. وفيما بعد بسنوات بدأت بعض الأخبار الصحفية الغريبة تظهر عن علاقة لاري واتشوسكي بسيدة متخصصة في العلاقات الجنسية السادية-الماسوشية..

(السادية هي الشعور باللذة الجنسية أثناء تعذيب الآخرين جسديا. الماسوشية هي الشعور باللذة أثناء التعرض للتعذيب على يد الآخرين)

ثم قيل أنه يميل لارتداء ملابس النساء، فسارع منتج الفيلم اليهودي چو سيلڤر في نفي هذا تماما.
لكن بعدها بفترة خرج (لاري) معلنا أنه قام بعملية "تحويل جنس" وأن اسمه الآن (لانا) ، وأنه تزوج صديقته المذكورة سابقا!!

لاري واتشوسكي قبل وبعد العملية
لماذا أقص عليك كل هذا؟.. السبب هو أن معرفة خلفية وميول وأفكار أي فنان تؤدي بالتبعية لفهم أعمق لأعماله الفنية. والماتريكس هنا مثال واضح.

من تنحرف فطرتهم إلى درجة الرغبة في تغيير أعضائهم الجنسية يحاولون دائما تبرير المسألة بأنهم "روح أنثى محبوسة داخل جسد ذكري" ، وهي فكرة قريبة من الأفكار الباطنية الغنوصية كما رأيت في الفصول السابقة. ولهذا لا عجب أن يميل لاري واتشوسكي للديانة الباطنية وأن تسيطر عليه عقائدها بحيث تظهر جلية في أفلامه.

وبالإضافة لهذا فإن الباطنية يؤمنون بفكرة تناسخ الأرواح، وعودة الأرواح لجسد جديد بعد موت الجسد السابق، في دورات، طالما لم ينجح صاحبها في الفكاك من أسر المادة في حياته السابقة.
وهذه الفكرة أيضا يميل إليها "المتحولون جنسيا"  لأنها تعطيهم مبررا أمام أنفسهم لانحرافهم.. فيقولون ربما كانت روحي السابقة أنثوية وعادت للحياة هذه المرة في صورة ذكر!!

وعرفت أيضا من الفصول السابقة أن إحدى الأفكار الباطنية الفلسفية الخيميائية تقوم على اتحاد العنصر الأنثوي بالعنصر الذكري، وأن هذا التحاد يحوّل الإنسان إلى مخلوق كامل.. وهي خرافة أفلاطونية وتلمودية عن الإنسان الأول الذي كان ذكرا وأنثى في آن واحد ثم تم فصله لجنسين..
وقد يكون (لاري واتشوسكي) تأثر بهذه الفكرة فقرر الجمع بين الصفات الذكورية والأنثوية للحصول على "الكمال" المزعوم، كما كان إخناتون مثلا يجعل صوره المنقوشة تجمع بين صفات الرجل والمرأة كرمز على "كماله" !!
=====

في 1999 ظهر الجزء الأول من سلسلة الماتريكس، ثم في 2003 ظهر الجزءان الآخران، فاكتملت الثلاثية.
وصدرت أيضا مجموعة من أفلام "الأنيميشن" المتحركة AniMatrix التي تدور في نفس عالم القصة
وصدرت عدة قصص مصورة Comic Books
وثلاث ألعاب فيديو تضيف لأحداث الفيلم:
Enter The Matrix - The Path of Neo - The Matrix Online

ثم تعاون الأخان مرة أخرى 2005 لكتابة الفيلم الشهير V for Vendetta  الذي نشر فكرة الأناركية مرة أخرى بين الشباب، وصار قناع ڤينديتا رمزا للحركات الثورية.
هذا الفيلم يقوم على رواية مصورة Graphic Novel كتبها المؤلف البريطاني الباطني (ألان مور) في الثمانينيات، ثم انتقل بعدها لدراسة السحر والقبالاه اليهودية ونشر هذه الأفكار في شكل محبب للقراء.
=====

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Featured

إخوان وسيساوية ودواعش.. داء التبعية

الإخوان متعطشون لأي "كلمة حلوة" من أي شخصية مشهورة.. وفورا تبدأ تعليقات الشكر والمدح فيه، ووصفه بأنه بطل ورجل في زمن قل فيه الرج...